ابن الجوزي
74
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
معنى غربة : أي استقلت لأرض بعيدة . كأن لم يرعك الدهر بالبين قبلها لميّ ولم يشهد فراقا نزيلها أي قد راعك الدهر غير مرة . أنبأنا علي بن عبيد الله بن نصر ، عن أبي جعفر بن المسلمة ، عن أبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ، قال : حدّثني أبو صالح الفزاري ، قال : [ 1 ] ذكر ذو الرمة في مجلس فيه عدة من الأعراب ، فقال عصمة بن مالك الفزاري شيخ منهم بلغ مائة وعشرين سنة : إياي فاسألوا عنه ، كان حلو العينين ، حسن المضحك ، براق الثنايا ، خفيف العارضين ، إذا نازعك الكلام لا تسأم حديثه ، باد بزته ، [ إذا أنشد بربر ] [ 2 ] وحسن صوته ، جمعني وإياه مربع مرة ، فأتاني فقال : يا عصمة إن ميّا منقرية ، ومنقر أخبث حي ، وأقفاه [ 3 ] لأثر وأثبته في نظر ، وأعلمه بشر [ 4 ] ، وقد عرفوا آثار إبلي ، فهل من ناقة نزدار عليها [ 5 ] ميّا ، قلت : أي والله [ عندي ] الجؤذر [ 6 ] ، قال : فعلينا بها ، فجئت بها فركب وردفته ثم انطلقنا حتى نهبط حيّ ميّ ، فإذا الحيّ خلوف ، فلما رآنا النسوة عرفن ذا الرمة ، فتقوضن من بيوتهن حتى اجتمعن إلى ميّ ، وأنخنا قريبا وجئناهن فجلسنا ، فقالت ظريفة منهن : أنشدنا يا ذا الرمة ، فقال لي : أنشدهن ، فأنشدت قوله : وقفت على ربع لميّة ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه فلما انتهيت إلى قوله : نظرت إلى أظعان ميّ كأنها ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه فأسبلت العينان والقلب كاتم بمغرورق نمت عليه سواكبه
--> [ 1 ] الأغاني 18 / 56 ( دار الكتب العلمية ) . [ 2 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . وبربر في كلامه : أكثر منه ، والبربرة : الجلبة والصياح . [ 3 ] في الأصل : « أفوقه » . وما أوردناه من الأغاني . [ 4 ] في الأصل : « ببصر » كذا بدون نقط ، وما أوردناه من الأغاني . [ 5 ] في الأصل : « وإلا له الجوز » . وما أوردناه من الأغاني . وما بين المعقوفتين من الأغاني . [ 6 ] في ت : « نزور عليها » . والمعنى واحد .